/ المقالات

الذكاء الاصطناعي... ذلك المجهول

2026-09-26 0 تعليق
الذكاء الاصطناعي... ذلك المجهول

الذكاء الاصطناعي... ذلك المجهول

اعتراف قبل البداية: هذا العنوان مسروق.

سرقتُه من رفّ مكتبتي، من كتاب كتبه الجرّاح والباحث الفرنسي ألكسيس كاريل عام 1935، وسمّاه: «الإنسان ذلك المجهول». لم أغيّر فيه إلا كلمة واحدة. ولو كان كاريل حيًّا لربما اعترض على السرقة، أو لربما ابتسم؛ لأن السرقة هنا ليست كسلًا، بل اعتراف بأن السؤال القديم عاد إلينا في صورة جديدة.

قبل نحو تسعين عامًا، كان كاريل ينظر إلى مفارقة غريبة: الإنسان يتقدم سريعًا في فهم المادة وتطويعها، ويبني الآلات ويغيّر العالم من حوله، بينما تظل معرفته بنفسه محدودة أمام تعقيده الهائل.

واليوم نقف أمام مفارقة أخرى، أشد غرابة:

هذه المرة نحن من صنع المجهول.

صنعنا أنظمة تكتب، وتبرمج، وتحلل، وتحاورنا في أدق أفكارنا. نعرف كيف بُنيت نماذجها، وكيف دُرّبت، ونعرف كثيرًا من العمليات الرياضية التي تجري داخلها. لكن معرفتنا بطريقة عملها لا تعني بالضرورة أننا نستطيع تفسير لماذا انتهت شبكة هائلة من الأوزان والحسابات إلى إجابة بعينها، أو كيف نشأت داخلها بعض القدرات المعقدة التي نراها.

نعرف الآلة، لكننا لم نفهمها بالكامل.

وهنا المفارقة:

الإنسان صنع مجهولًا... على شيء من صورته.

فالآلة تعكس شيئًا منا؛ لغتنا ومعارفنا وتناقضاتنا وأخطاءنا. وقد تجيب بثقة وهي مخطئة، فننسى أحيانًا أن فصاحة الجواب ليست دليلًا على صحته.

وهذا يعيدنا إلى كاريل نفسه.

فالرجل الذي حصل على جائزة نوبل في الطب، وكتب كتابًا كاملًا عن قصور معرفتنا بالإنسان، انتهى في أجزاء من كتابه إلى آراء نراها اليوم شديدة القسوة والخطورة؛ فقد دافع عن أفكار مرتبطة بتحسين النسل، واقترح التخلص من بعض مرتكبي الجرائم الخطيرة في مؤسسات للقتل الرحيم.

وهنا تصبح المفارقة أكثر إثارة:

يمكن لعقلٍ لامع أن يطرح سؤالًا عظيمًا، ثم يصل إلى جواب كارثي.

وجائزة نوبل لا تجعل كل أفكار صاحبها صحيحة، كما أن كلمة «ذكاء» في اسم الآلة لا تجعل كل ما تقوله ذكيًا أو صحيحًا.

فهل سنكرر مع الذكاء الاصطناعي خطأنا القديم مع البشر، فنخلط بين القدرة والحكمة، وبين الثقة والحقيقة؟

ربما لم أسرق من كاريل العنوان وحده.

ربما سرقت السؤال أيضًا.

فالإنسان الذي حاول كاريل فهمه ما زال يحمل من الأسرار أكثر مما نعرف، ونحن قبل أن نفرغ من فهمه صنعنا إلى جواره نظامًا جديدًا بالغ التعقيد، ووضعناه في جيوبنا، ثم بدأنا نسأله عن أعمالنا وأموالنا وعلاقاتنا وأفكارنا... وربما عن أنفسنا أيضًا.

والأغرب أن أحد المجهولين يحاول الآن أن يساعدنا في فهم المجهول الآخر.

فالذكاء الاصطناعي الذي صنعه الإنسان أصبح أداة يستخدمها الإنسان لدراسة الإنسان.

وهنا ينقلب السؤال:

أيّ المجهولَين سنفهم أولًا؟
الآلة التي صنعناها، أم الإنسان الذي صنعها؟

وإلى أن يأتي الجواب...

أعتذر لكاريل عن سرقة العنوان، وأعده بإعادته حين نفهم أحدهما.

شارك المقال: تم النسخ!

التعليقات 0

اترك تعليقاً

0 / 1000

التعليقات تظهر بعد المراجعة

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق!