في كتابه Change by Design، أثبت رائد التفكير التصميمي تيم براون أن الابتكارات التي عاشت وغيرت حياة الناس لم تولد من الانبهار بالتكنولوجيا، بل من (التعاطف البشري) ومراقبة ما يعجز الناس عن التعبير عنه بألسنتهم. وهي الفكرة ذاتها التي رسخها البروفيسور كلايتون كريستنسن في كتابه Competing Against Luck؛ حين أكد أن العميل لا يشتري المنتج أو التقنية حباً في مواصفاتها، بل (يستأجرها) لتنجز له مهمة تخفف عنه تعباً أو تعقيداً في يومه، فإن لم يكن هناك تعب حقيقي يُحل، فالمنتج لا قيمة له مهما كانت تقنيته مذهلة.
تذكرت هذا المبدأ وأنا أتابع سيل المقاطع اليومية التي تملأ هواتفنا على تيك توك وإكس ويوتيوب: مئات الفيديوهات القصيرة التي تستعرض كل صباح أداة ذكاء اصطناعي جديدة وتعدنا بأنها ستغير الكون بضغطة زر. الجميع يتسابق لشرح كيفية تشغيل الأداة، والجميع منبهر بسرعة الآلة، لكن المفارقة التي نتجاهلها وسط هذا الصخب أننا نعيش شحاً مخيفاً في الابتكار؛ وفرة هائلة في المطارق، وغياب شبه كامل عن مكان المسمار.
من السهل جداً اليوم أن تقضي أسبوعاً في حفظ أسماء عشرين أداة ذكاء اصطناعي، أو تتعلم كتابة أمر للخوارزمية ليولد لك نصاً أو تصميماً. هذه مهارات تشغيلية بحتة ستتلاشى قيمتها قريباً لأن الآلات نفسها تتبسط كل شهر وتصبح في متناول الجميع. لكن الصعب، والشيء الذي تعجز عنه أي خوارزمية، هو النزول للشارع، ومراقبة تفاصيل الحياة اليومية، وفهم اللحظة التي يشعر فيها الإنسان بالإحباط أو الارتباك أمام خدمة معقدة أو إجراء بيروقراطي عقيم.
الذكاء الاصطناعي لا يملك مشاعر، لا يتعطل في طابور، ولا يعرف مرارة القلق؛ هو بارع وسريع في الحساب والتنفيذ، لكنه أعمى تماماً عن اختيار المشكلة التي تستحق الحل.
هذا الترتيب المقلوب جعل كثيرين يحملون حلولاً تقنية جاهزة في أيديهم، ثم يخرجون للبحث عن أي مشكلة ليلصقوا بها حلولهم بالقوة. في كتابه رحلة الابتكار، يلخص الكاتب باسم جفال هذا الخطأ بالتأكيد على أن عقلية الابتكار الحقيقية تبدأ دائماً من الفهم العميق لجذور المشكلة قبل القفز المتعجل إلى أدوات التنفيذ. والواقع يثبت ذلك؛ فالشركات وسوق العمل اليوم لا تبحث عمن يكرر ما شاهده في مقاطع الفيديو عن الأدوات، بل تعاني للوصول إلى متخصصين في أبحاث المستخدم وتصميم الخدمات وهندسة الابتكار.
قبل أن تسأل نفسك عن الأداة التقنية القادمة التي يجب أن تتعلمها، اسأل أولاً: أين المشكلة الإنسانية التي أفهمها بعمق؟ ومن هم البشر الذين أستطيع تخفيف العبء عنهم؟ فالمطرقة وحدها لم تبنِ بيتاً قط، وأقوى أدوات الذكاء الاصطناعي تظل بلا قيمة إن لم تجد إنساناً يعرف أين يضعها.
التعليقات 0
اترك تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق!