هل تعمل الآلة وهي لا تفهم؟
نعم. هذا ما يقوله عالم الرياضيات والفيزياء روجر بنروز، الحائز على نوبل في الفيزياء عام 2020. ولهذا يرفض تسمية (الذكاء الاصطناعي)، ويقول إن الأدق أن نسميه براعة اصطناعية.
الفرق بين الكلمتين بسيط:
البراعة: أن تنجز المهمة بإتقان، باتباع قواعد أو أنماط تعلمتها.الفهم: أن تدرك معنى ما تفعله، فتعرف متى تنطبق القاعدة ومتى لا تنطبق.
الآلة عند بنروز تملك الأولى ولا تملك الثانية. ومع ذلك تنجز أعمالاً مذهلة. وهذا ليس تناقضاً، بل هو مفتاح فهم كيف نستخدمها.
آلات تنجز بلا فهم
نستخدم كل يوم آلات تتفوق علينا، ولا يدّعي أحد أنها تفهم:
| الآلة | ما تنجزه | هل تفهم؟ |
|---|---|---|
| الآلة الحاسبة | تضرب أرقاماً من عشر خانات في جزء من ثانية | لا تعرف ما معنى (عدد) |
| برنامج الشطرنج | يهزم أبطال العالم | لا يعرف أنه يلعب لعبة |
| المدقق الإملائي | يصحح آلاف الأخطاء | لا يعرف معنى الكلمات |
| بوت خدمة العملاء | يرد على الأسئلة المتكررة بدقة | يطابق السؤال مع إجابات جاهزة |
| النماذج اللغوية مثل ChatGPT | تكتب وتترجم وتبرمج | تتوقع الكلمة التالية من أنماط ملايين النصوص |
وفي مقابلاته الأخيرة، يضع بنروز النماذج اللغوية في نفس الخانة. هي أقوى بكثير، لكنها في نظره آلات إحصائية بارعة، لا تدرك ما تكتبه.
ويضرب مثالاً بسيطاً للفهم الذي تفتقده الآلة: الطفل. لا نعطي الطفل قواعد لتعريف الأرقام، بل نريه ثلاث تفاحات وثلاثة أقلام، فيدرك معنى (ثلاثة) وحده. بعدها يستطيع تطبيق الفكرة على أي شيء لم يره من قبل.
متى يظهر غياب الفهم؟
في الأحوال العادية لا تشعر بالفرق. الآلة البارعة والإنسان الفاهم يصلان لنفس النتيجة. الفرق يظهر في الموقف غير المألوف.
استخدم بنروز مثالاً من الشطرنج لتوضيح ذلك. وضع رقعة فيها جدار من البيادق يسد الطريق تماماً، والطرف الآخر يملك قطعاً أكثر بكثير لكنها محبوسة خلف الجدار.
أي لاعب مبتدئ يرى فوراً أن الجدار لا يُخترق، وأن الحل الصحيح أن تتركه مكانه فتنتهي المباراة بالتعادل.أقوى كمبيوتر شطرنج وقتها، Deep Thought، حسب عدد القطع، وأخذ قطعة مغرية، فكسر الجدار بنفسه وخسر.
البرنامج لم يخطئ في الحساب، بل نفّذ ما بُرمج عليه بدقة: يحسب الحركات إلى عمق معين ثم يعدّ القطع. لكنه لم (يرَ) الصورة الكاملة التي يراها الإنسان بنظرة واحدة.
هذا هو النمط الذي يحذّر منه بنروز: الآلة ممتازة فيما يشبه ما تعلمته، وقد تخطئ دون أن تنتبه حين يخرج الموقف عن المعتاد.
النتيجة العملية
سواء كانت الآلة تفهم أو لا تفهم، القاعدة العملية واحدة: احكم على الآلة بنتائجها في نوع المهمة، لا بثقتها في الإجابة.
| اعتمد على الآلة | راجع بنفسك |
|---|---|
| المهام المتكررة: الردود الجاهزة، الفرز، التلخيص | المواقف الجديدة التي لم تمر عليها من قبل |
| ما يمكن التحقق منه بسهولة: كود يعمل أو لا يعمل | القرارات الحساسة: مال، صحة، قانون، سمعة |
| المسودة الأولى لنص أو تصميم | الحكم النهائي على النص أو التصميم |
| ما أخطاؤه رخيصة ويسهل تصحيحها | ما خطؤه مكلف أو لا يمكن التراجع عنه |
ثلاث نصائح عملية مستوحاة من فكرة بنروز:
لا تنخدع بالأسلوب. الإجابة الواثقة المرتبة ليست دليلاً على أنها صحيحة. برنامج الشطرنج اختار الحركة الخاطئة بلا أي تردد.ضع إنساناً عند الاستثناءات. اترك الآلة تتولى الحالات المعتادة، وحوّل الحالات الغريبة إلى شخص يفهم.اختبرها في الحالات الحدية. قبل أن تعتمد على أي أداة، جرّبها في موقف غير مألوف. هناك يظهر الفرق بين البراعة والفهم.
للاستزادة: كتاب فيزياء العقل البشري والعالم من منظورين لروجر بنروز، بمشاركة ستيفن هوكنج وأبنر شيموني ونانسي كارترايت. ترجمة عنان علي الشهاوي، صدر عن (كلمة) و(كلمات عربية) عام 2009.
التعليقات 0
اترك تعليقاً
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق!