/ المقالات

في يمينك عصا… فهل رأيت مآربها الأخرى؟

2026-10-17 0 تعليق
شارك المقال: تم النسخ!
في يمينك عصا… فهل رأيت مآربها الأخرى؟
نتسابق اليوم على دورات الذكاء الاصطناعي وشهاداته، وننسى أن الأداة لا تبتكر وحدها. قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة، اختصر حوار قصير في القرآن هذه الفكرة في كلمتين: «مآرب أخرى». سؤال بسيط، وجواب أوسع منه

نتسابق اليوم على دورات الذكاء الاصطناعي وشهاداته، وننسى أن الأداة لا تبتكر وحدها. قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة، اختصر حوار قصير في القرآن هذه الفكرة في كلمتين: «مآرب أخرى».

سؤال بسيط، وجواب أوسع منه

(وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَىٰ ۞ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ) [طه: 17–18]

كان يكفي موسى أن يقول: «عصا». لكنه نسبها إلى نفسه، ثم ذكر منفعتين، ثم ترك الباب مفتوحًا: «ولي فيها مآرب أخرى». واستنبط القرطبي من ذلك جواز الإجابة بأكثر مما سُئل.

والمآرب جمع «مأربة»، أي الحاجة. فالمعنى: لي في هذه العصا حاجات ومنافع غير التي ذكرتها. وذكر الطنطاوي في «التفسير الوسيط» أنه أجملها حياءً من إطالة الجواب، أو رجاء أن يُسأل عنها فيفصّل.

وهنا اللفتة: أبسط أداة في يد راعٍ لم تكن عنده شيئًا واحدًا. كانت قائمة مفتوحة من الاستخدامات.

فوائد العصا كما عدّدها العلماء

لم تمرّ هذه الكلمة على العلماء مرورًا عابرًا. ذكر القرطبي في تفسيره أن قومًا تصدّوا لتعداد منافع العصا، منهم ابن عباس، ونقل عن الحسن البصري أن فيها ست خصال. وأفرد الجاحظ لها بابًا كاملًا سمّاه «كتاب العصا» في الجزء الثالث من «البيان والتبيين»، ردًّا على من سخر من العرب لحملهم العصيّ في خطبهم.

من المنافع التي ذكروها:

• الاتكاء والمشي: تعين الشيخ والمتعب، وذكر مالك أن الناس كانوا يخرجون بها في المطر يتوكؤون عليها.

• سند للمريض: ذكر الجاحظ أنها تُعدّل ميل المفلوج، وتُقيم ارتعاش المريض.

• رعي الغنم: يُهشّ بها ورق الشجر لتأكله الماشية، وتُساق بها القطعان.

• الخطابة: كان الخطيب العربي يمسكها في خطبته، وهو أصل باب الجاحظ كله.

• الصلاة: العَنَزة، وهي عصا في أسفلها حديدة، كانت تُركز سترةً للنبي صلى الله عليه وسلم.

• السنّة والهيبة: روى ميمون بن مهران عن ابن عباس أن إمساكها سنة للأنبياء وعلامة للمؤمن.

وأورد القرطبي قصة أعرابي سأله الحجاج عمّا في يده، فعدّد منافع عصاه ثم ختم: «ولي فيها مآرب أخرى، كثيرة لا تُحصى». ثم علّق القرطبي بأن منافع العصا كثيرة. فالقائمة بقيت مفتوحة كما تركها موسى.

ونبّه ابن كثير إلى أن بعضهم تكلّف في نسبة منافع خارقة لها، كإضاءتها بالليل وحراستها الغنم. والمقصود هنا المنافع الواقعية، فهي التي تعلّمنا النظر.

عصا تتحوّل كلما أضفت لها شيئًا

أجمل ما في باب الجاحظ أنه رأى العصا أداة تتبدّل هويتها بإضافة صغيرة. القطعة نفسها، لكن الوظيفة تتغيّر:

1. عصا خشبية بسيطة للاتكاء.

2. أضف في أسفلها حديدة (الزُّجّ) ← تصير عَنَزة تُركز في الأرض.

3. زد عليها ← تصير عُكّازًا.

4. زد أكثر ← تصير مِطردًا، أي رمحًا قصيرًا، وبزيادة أخرى تصير رمحًا.

هذا بالضبط ما تسميه كتب الابتكار اليوم «الإضافة والتعديل». لا تحتاج أن تخترع شيئًا من العدم؛ يكفي أن تنظر إلى ما في يدك وتسأل: ماذا لو أضفت إليه شيئًا واحدًا؟

الهاتف الذي أُضيفت إليه كاميرا، والساعة التي أُضيف إليها مستشعر نبض، كلاهما عصا أُضيف إليها زُجّ.

القرآن يلفتك إلى البسيط

العصا ليست وحدها. يتكرّر في القرآن توجيه النظر إلى أشياء نراها كل يوم فلا نراها:

• (أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ) [الغاشية: 17] — العربي يركب الناقة كل يوم، والآية تطلب منه أن ينظر «كيف» لا «ماذا».

• (فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ) [المائدة: 31] — أول حلّ لمشكلة لم يواجهها إنسان من قبل، جاء من مراقبة طائر.

• (مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ) [سبأ: 14] — عصا سليمان، وهي مُتّكأ بسيط، صارت دليلًا كشف حقيقة غابت عن الجنّ.

• (وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [الذاريات: 21] — أقرب الأشياء إليك أولاها بالتأمّل.

وفي قصة موسى نفسها لفتة أعمق. العصا التي عدّ لها منفعتين، ضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا [البقرة: 60]، وضرب بها البحر فانفلق [الشعراء: 63]. تلك معجزات لا يقاس عليها فعل البشر، لكنها تترك أثرًا في النفس: ما في يدك قد يكون أعظم مما تظنّ.

هذا تأمل، لكن خلاصته واضحة: القرآن يربّي عينًا لا تمرّ على المألوف دون سؤال.

من العصا إلى الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي اليوم هو العصا التي في يمينك. أكثرنا يتوكأ عليه في مهام معروفة: كتابة نص، تلخيص ملف، ترجمة رسالة. والقليل يسأل عن مآربه الأخرى.

والمفارقة أن الذكاء الاصطناعي نفسه ثمرة ابتكار، لا العكس. الأداة تجيب بسرعة، لكنها لا تحدّد المشكلة ولا تختار السؤال. لذلك لا تقلّ أهمية تعلّم الابتكار عن تعلّم الذكاء الاصطناعي، مع أن برامجه أقل بكثير.

عقلية «المآرب الأخرى» تُبنى بأسئلة محددة:

الأداة

السؤال

مثال

الإضافة

ماذا لو أضفت إليه شيئًا واحدًا؟

العصا ← عَنَزة بالزُّجّ

الدمج

ماذا لو جمعت شيئين في واحد؟

الهاتف + الكاميرا + الخريطة

الربط

من حلّ مشكلة تشبه مشكلتي في مجال آخر؟

خط تجميع السيارات استُلهم من مسالخ اللحوم

القلب

ماذا لو عكست الطريقة؟

بدل الذهاب للمطعم، يأتي المطعم إليك

الملاحظة

ما الذي يفعله غيري بشكل أبسط؟

الغراب الذي يبحث في الأرض

حين تملك هذه الأسئلة يتغيّر ما تطلبه من الأداة. بدل «أعطني حلًّا» تقول: «اقلب هذه المشكلة»، أو «من حلّ مثلها في الطب؟».

تمرين عملي: خذ شيئًا أمامك الآن، قلمًا أو كوبًا، واكتب عشرة استخدامات له غير الأصلي. الثلاثة الأولى سهلة، والسبعة الباقية هي «المآرب الأخرى».

الخاتمة

موسى لم يكن يملك إلا عصا، لكنه لم يرها شيئًا واحدًا. ونحن اليوم نملك أقوى الأدوات في تاريخ البشر، ونراها غالبًا شيئًا واحدًا.

تعلّم الأداة، ولكن قبلها تعلّم كيف تنظر إليها. فالسؤال الذي يصنع الفرق لم يتغيّر منذ ذلك الوادي: ما الذي في يمينك؟ وما مآربه الأخرى؟

المصادر

• القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج11، ص105–110، تفسير طه: 17–18 (ترقيم طبعة إسلام ويب): الإجابة بأكثر مما سُئل ص106، معنى المآرب ومنافع ابن عباس والحسن البصري ص107، قصة الأعرابي والعنزة والخطبة ص107–108، قول مالك ص109.

• الجاحظ، البيان والتبيين، ج3، «كتاب العصا»، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي بالقاهرة — نص الكتاب في ويكي مصدر. رقم الصفحة: يُراجَع في النسخة الورقية.

• ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، والطنطاوي، التفسير الوسيط، تفسير طه: 18 — موسوعة التفسير

التعليقات 0

اترك تعليقاً

0 / 1000

التعليقات تظهر بعد المراجعة

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق!