/ المقالات

الناس ليسوا تطبيقات

2026-10-15 0 تعليق
شارك المقال: تم النسخ!
الناس ليسوا تطبيقات
كنتُ منذ طفولتي منطويًا على نفسي، أجد راحتي أمام الشاشة: ألعاب إلكترونية، وأجهزة أفككها وأفهمها، وعالم منطقي يستجيب لي بقدر ما أعطيه. لم أكن أحتاج أحدًا كي أتعلّم، ولا كي أنجز. ثم جاء العمل. والعمل، مهما كان تقنيًا، يفرض عليك الناس. دخلتُ أعمالًا كثيرة، وفشلتُ في مشاريع كثيرة، ولم يكن سبب الفشل غالبًا نقصًا في المهارةالتقنية. كان شيئًا آخر لم أكن أراه.

من الشاشة إلى الناس

كنتُ منذ طفولتي منطويًا على نفسي، أجد راحتي أمام الشاشة: ألعاب إلكترونية، وأجهزة أفككها وأفهمها، وعالم منطقي يستجيب لي بقدر ما أعطيه. لم أكن أحتاج أحدًا كي أتعلّم، ولا كي أنجز.

ثم جاء العمل. والعمل، مهما كان تقنيًا، يفرض عليك الناس. دخلتُ أعمالًا كثيرة، وفشلتُ في مشاريع كثيرة، ولم يكن سبب الفشل غالبًا نقصًا في المهارةالتقنية. كان شيئًا آخر لم أكن أراه.

المهارة وحدها لا تفتح الأبواب

أول ما اكتشفته أن المهارة التقنية شرطٌ لازم، لكنها ليست كافية. حتى الحصول على الوظيفة نفسها يمرّ غالبًا عبر علاقة إنسانية قبل أن يمرّ عبر السيرة الذاتية.

ومن عاش طويلًا مع الحاسب يتوقّع أن تكون الحياة مثل التطبيقات الجيدة: واجهة ودودة، وزرّ واضح، ونتيجة فورية. لكن المعلومة في بيئة العمل قد تحتاج وقتًا، وعلاقة، وشيئًا من التنازل حتى تحصل عليها من موظف يجلس أمامك.

وفهمتُ مع الوقت لماذا: أحيانًا تكون قيمة ذلك الموظف كلها في تلك المعلومة. فإذا ألححتَ عليه بشدّة، فأنت تطلب منه أن يتنازل عن مصدر أهميته. لذلك تعلّمتُ ألا أبالغ في الطلب، وأن أحترم ما يملكه الآخر.

الناس ليسوا تطبيقات

هذه هي الجملة التي لخّصت كل ما تعلّمته: الناس ليسوا أدوات إلكترونية. لا يملكون واجهة برمجية تُرسل إليها طلبًا فيعود الرد. لديهم مشاعر، ويحبّون العلاقات، والحديث، والضحك.

التطبيق يخدمك لأنه صُمّم لذلك. أما الإنسان فيخدمك لأنه ارتاح إليك، أو لأنه شعر بقيمته عندك، أو لأن بينكما ما يكفي من الثقة. ومن هنا جاءت قناعات بدأت أكوّنها من التجربة، لا من الكتب.

قناعاتي حتى الآن

أكتبها كما هي، وأعرف أن بعضها قد يكون خاطئًا، وأني قد أغيّره قريبًا.

أولًا: اسمع أكثر مما تتكلم

الاستماع أعظم مهارة اكتشفتها. حين تصمت وتترك من أمامك يأخذ راحته في الكلام، تعرف أهدافه، وطريقة تفكيره، وكيف يُدار العمل فعلًا. المتكلّم يكشف نفسه، والمستمع يتعلّم.

ثانيًا: لا تلمع أكثر من اللازم

لا تُشرق أكثر من مديرك، ولا أكثر مما يحتاجه الموقف. ولا تبالغ في إظهار ذكائك وفهمك؛ فمن يكتشف أنك تفهم أكثر مما تُظهر، قد يأخذ حذره منك. كن طبيعيًا، ودع عملك يتحدث في وقته.

ثالثًا: خذ كما تعطي

الحياة أخذ وعطاء، ومن يعطي بلا حساب يُستنزف. في واقع العمل رأيتُ أن من يطلب هو من يأخذ.

واكتشفتُ شيئًا أدقّ: كثير من الناس يحبّون أن يتفضّلوا عليك. لذلك صرتُ أشكر كل من قدّم لي معروفًا مهما صغر، وأحيانًا أطلب شيئًا أستطيع توفيره لنفسي، فقط ليشعر من أمامي أنه قدّم لي شيئًا، فيرتاح ويقترب.

رابعًا: ارسم حدودك

كنتُ أظن أن عدم وضع الحدود دليل على حسن الخلق. ومع الوقت اكتشفتُ العكس: الحدود الواضحة تحفظ العلاقة. أن تقول بهدوء «هذا أمر خاص» أو «هنا تجاوزتَ حدًّا» ليس جفاءً، بل احترام لنفسك وللآخر.

ومن الحدود أن تحفظ أسرارك، فلا تعطيها لأي أحد. وأن تترك لنفسك مساحة من الغموض؛ فليس كل ما تعرفه يُقال، ولا كل ما تشعر به يُعرض.

خامسًا: كن صديق الجميع… بحذر

كانت قناعتي أن تكون صديقًا للكل. ثم سمعتُ رجلًا كبيرًا يقول: من كان صديق الكل فليس صديقًا لأحد. وربما كان محقًا؛ فالصداقة الحقيقية قد تُلزمك أن تقف مع صديقك ضد من يعاديه.

لعلّ الأدقّ إذن: كن ودودًا مع الجميع، وصديقًا لقليلين.

سادسًا: الحياة ملعب، لا ساحة حرب

لا تبالغ في الجدية. الحياة أشبه بملعب كرة قدم: لن تصل إلى المرمى إذا حاولت شقّ الملعب من منتصفه وحدك. تحتاج إلى المناورة، وتمرير الكرة لزميلك، وأحيانًا إعادتها إلى الخلف، بل قد تمرّ الكرة بالخصم قبل أن تعود إليك.

سابعًا: ما لا تعطيه الشاشة

أظن أني وجدتُ السعادة في مكان بلا إنترنت ولا وسائل اتصال. السعادة مرتبطة بطريقة التفكير، وبالقدرة على رؤية الحياة من زوايا مختلفة.

والدعاء يفتح للإنسان أبوابًا من الفهم لا يجدها في الكتب. هذا شيء لم يعلّمني إياه أي جهاز.

الإصدار الأول من قناعاتي

بلغة المطوّرين: هذه ليست نسخة نهائية، بل «الإصدار 1.0» من فهمي للناس. فيه أخطاء لم أكتشفها بعد، وسيأتي تحديث يصحّح بعضها ويضيف ما ينقصها.

لم أتخلَّ عن الشاشة، ولن أتخلّى عنها. لكني تعلّمتُ أن أنجح مشروع أعمل عليه ليس تطبيقًا ولا نظامًا، بل علاقتي بالناس من حولي. وهو مشروع لا يُبنى بالكود، بل بالصبر والاستماع وشيء من الحكمة.

التعليقات 0

اترك تعليقاً

0 / 1000

التعليقات تظهر بعد المراجعة

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يعلّق!